موريتانيا: رأيك الحر قد يوصلك إلى زنزانة الجنرال



 
تحت لافتة حملت شعار "رأيك الحر قد يوصلك إلى زنزانة الجنرال"، تظاهر العشرات من أنصار الجبهة الوطنية المناوئة للانقلاب في موريتانيا تنديدا باعتقال الوزير السابق اسلم ولد عبد القادر على خلفية تصريحات أدلى بها في برنامج تلفزيوني، أدت إلى اعتقاله واستجواب كل المشاركين فيه، بعد إقالة مدير التلفزيون المعين من طرف العسكر وتحويل المذيع الذي أدار الحوار إلى برامج أخرى. سجن ولد عبد القادر يضع علامات استفهام كبيرة أمام مستقبل الحريات العامة في موريتانيا.
 
محمد سالم- نواكشوط
 
mauritania
مناصر يحمل صورة الوزير السابق اسلم ولد عبد القادر-ح.م.

مسألة اعتقال الوزير السابق لم تنته بعد زجه في السجن، بل وصلت الى حد وجهت فيه النيابة العامة إلى الوزير السابق تهمة " محاولة إضعاف معنويات الجيش.. وانتهاك حرمات الله "، وذلك من خلال الكذب عبر وسائل الإعلام.
فقد قرر قاضي التحقيق بالديوان الثالث في قصر العدالة بموريتانيا يوم الأحد 26-10-2008 إحالة ولد عبد القادر للسجن المدني بدار النعيم بالضاحية الشمالية لنواكشوط، استجابة لطلب النيابة العامة التي اعتبرت أن تصريحات ولد عبد القادر التلفزيونية "كذب.. وما دام يكذب فقد انتهك حرمات الله".

وقد اتت هذه التهمة في آخر ايام الاعتقال التحفظي الذي استمر قرابة أٍسبوع، قبل أن يتم تحويل الوزير المذكور إلى السجن المدني. هذا السجن يضم عتاة المجرمين والموقوفين بتهمة الانتماء لخلايا السلفية الجهادية والجماعات المتطرفة. وبحسب ناشطين ومقربين من الوزير المعتقل فإن هذا الإجراء يمثل محاولة لإذلاله وإهانته كمسؤول سياسي ووزير سابق.

وعند إحالة الوزير السابق الى السجن انطلق متظاهرون من أمام جامعة نواكشوط متوجهين إلى قصر العدالة وهم يهتفون بإطلاق سراحه وبإعادة الرئيس المنتخب والشرعية الديمقراطية. وكانت الشرطة الموريتانية قد فرقت عددا من المتظاهرين تجمعوا أمام البوابة الخلفية لقصر العدالة، وذلك في مسيرة احتجاجية شاركت فيها جماهير من الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية و بعض أهالي الوزير السابق.

"حوار تحت الضوء"

من برنامج "حوار تحت الضوء "، انطلقت الشرارة الأولى لما يعتبره الكثيرون واحدا من أخطر مظاهر تراجع الحريات العامة في البلد، ومعاقبة الأفراد على التصريح بآرائهم. خلال هذا البرنامج اعلن الوزير ولد عبد القادر أن "رئيس المجلس العسكري خطر يهدد أمن البلاد ويعرض هيبة الجيش للاهتزاز بانقلاباته المتكررة، والحرس الرئاسي الذي كان يقوده ولد عبد العزيز هو ميليشيا مسلحة مكونة من عناصر بعضها أجنبي".

وقد اعتبر آخرون أن خطورة الاتهامات التي وجهها ولد عبد القادر للجنرال محمد ولد عبد العزيز من خلال استضافته في هذا البرنامج، قد تكون هي الدافع الأساس وراء هذا الاعتقال وهذه المحاسبة. فبعد يوم واحد على بث البرنامج الذي شارك فيه مساندون ومناوئون للانقلاب، وفيما كان الجميع ينتظر إعادة بث البرنامج والاستماع إلى التصريحات التي وصفها أنصار الجبهة المناوئة للانقلاب بـ"الشجاعة والمصداقية"- فيما رآها أنصار الجنرال ولد عبد العزيز تجنيا صريحا على مؤسسة الجيش- انقطع البث التلفزيوني للقناة.

كان أنصار الجبهة المناوئة يقولون أن حدة التصريحات وتأثيرها هو الذي أدى إلى الانقطاع فيما رأى مسؤولون في التلفزيون الموريتاني أن الأمر يتعلق بانتقال التلفزيون إلى نظام بث جديد. لكن المتفق عليه بين الجميع أن الحلقة المثيرة لم يعد بثها مرة أخرى على شاشة التلفزيون الرسمي في البلد.

أياما قليلة بعد الانقلاب، أعلن حزب سياسي صغير عن نيته تقديم شكوى ضد الوزير السابق ولد عبد القادر، قبل أن يتم اعتقاله من قبل الدرك الموريتاني، منتصف الأسبوع المنصرم، ليكتشف أن الذي قدم الدعوى ضده هو وزارة الدفاع الموريتانية وليس الحزب الصغير.

تواصل التحقيق مع الوزير السابق ليقود إلى استجواب كل الذين شاركوا في البرنامج الحواري، بدءاً بمقدمه الصحفي سيدي ولد الأمجاد وضيوفه الأستاذ المصطفى ولد اكليب وأبو مدين ولد ابات. لينتهي الأمر مع مدير قناة التلفيزيون الموريتاني المقال الإمام الشيخ ولد اعلى. لكن ولد عبد القادر كان الوحيد الذي تمت إحالته إلى النيابة.

الشنق قبل الاعتذار
بعد مثول الوزير السابق ولد عبد القادر 3 مرات أمام وكيل الجمهورية، خلص هذا الأخير إلى إيداعه في زنزانة في السجن الكبير بضاحية دار النعيم. لكن مصادر من داخل أسرة المعتقل ومناصريه في الجبهة المناوئة للانقلاب أكدت أن ولد عبد القادر رفض الاعتذار عن تصريحاته المذكورة، بعد أن طلب منه وكيل الجمهورية تسجيل اعتذار متلفز يتم بثه عبر وسائل الإعلام الرسمية في موريتانيا، وبعدها سيتم إطلاق سراحه.

لكن ولد عبد القادر كان حازما في رده مؤكدا " أنه يفضل الموت شنقا عن الاعتذار عن تلك التصريحات". وأمام رفض ولد عبد القادر الاعتذار كان عليه أن يواجه التهم التالية " محاولة إضعاف معنويات الجيش الموريتاني " و" انتهاك حرمات الله " من خلال الكذب على شاشة التلفزيون، ليحال بعدها إلى السجن الكبير.
وبحسب حقوقيين فإن عقوبة التهمة الموجهة لولد عبد القادر قد تصل إلى السجن لخمس سنوات.

مصادر أسرة ولد عبد القادر قالت أن وكيل الجمهورية في القضاء الموريتاني هاتف الجنرال محمد ولد عبد العزيز قائلا " إنه لم يجد في ملف ولد عبد القادر ما يدعو إلى اعتقاله".  فما كان من الجنرال إلا أن قطع الاتصال في وجه الوكيل المذكور حسب مصادر الأسرة.

وقد قوبلت الأسرة، التي قامت بالعديد من الوقفات الاحتجاجية، بقمع شديد من طرف الشرطة الموريتانية، كما تم الاعتداء على مناصري ولد عبد القادر بالضرب المبرح والرشق بالغازات المسيلة للدموع.

صفعة على وجه حرية التعبير
منظمات حقوقية وسياسية موريتانية عبرت عن إدانتها التامة لاعتقال ولد عبد القادر مؤكدة أنه يمثل محاولة لإسكات الصوت الحر وتكميم وسائل الإعلام من خلال معاقبة كل من يجرؤ على انتقاد الجنرال. وقد اعتبر قادة الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية في مؤتمر صحفي عقدوه احتجاجا على اعتقال ولد عبد القادر ان " الجنرال يسعى إلى إقامة دكتاتورية ترهيبية في موريتانيا، وبالتالي كان اسلم ولد عبد القادر أحد الضحايا الكبار في هذه الدكتاتورية لأنه عبر عن موقف يشاطره فيه الجميع"، على حد تعبير محمد ولد مولود رئيس الجبهة المناوئة للانقلاب.

أما اتحاد منظمات حقوق الإنسان الموريتاني فقد انتقد بشدة اعتقال ولد عبد القادر وطالب بالإفراج الفوري عنه، مؤكدا أن اعتقاله ليس إلا محاولة لكبت الحريات ومصادرة الآراء مطالبا جنرالات المجلس العسكري بالتراجع عن مصادرة الحريات العامة في الوطن"

أما منظمة " من أجل موريتانيا" المعارضة التي تتخذ من بلدان الاتحاد الأوربي مقرا لها فقد أعلنت عن حملة توقيعات مساندة لولد عبد القادر وحماية حرية التعبير في موريتانيا.


(fetching community info ...)