مصر: حكم قضائي فريد من نوعه



 
أصدرت محكمة مصرية حكما بالسجن لثلاث سنوات على متحرش جنسي أدين بملامسة امرأة في الشارع. التقت مراسلة منصات بالضحية وبناشطين في قضايا التحرش الجنسي في القاهرة. كما ويظهر بأن الإعلام لعب دورا مهما في الكشف عن هذه القضية ومحاربتها.
 
ألكسندرا ساندلز
 
Noha
المخرجة نهى الاستاذ التي تعرضت للتحرش على يد سائق حافلة. ح.م. بي بي سي.

حكم على شريف جمعة بالسجن لثلاثة أعوام مع أشغال شاقة بعد أن تحرش بمخرجة الأفلام نهى الاستاذ البالغة من العمر 27 عاما، في إحدى شوارع ضاحية هليوبوليس بالقاهرة في حزيران/يونيو الماضي.
كما حكم عليه بدفع غرامة تقدر ب5,001جنيه (أو ما يعادل 894 دولارا) كتعويض للاستاذ.

رحب الناشطون في مجال حقوق المرأة بهذا الحكم الذي يعتبر الأول من نوعه، وقالت أنجي غوسلان من المركز المصري لحقوق المرأة في اتصال هاتفي مع منصات أن الحكم جاء مفاجئاً للناشطين، كما للمحامين.
"تفاجأنا حقا. حتى المحامون اعتقدوا أنه سيحصل على عقوبة السجن لعام واحد كحد أقصى. أراد القاضي أن يعطي مثالا بهذا الحكم. الآن، بات الناس يفكرون قبل التحرش بامرأة".

هجوم في شارع عام
في حزيران/يونيو الماضي، كانت الاستاذ في طريقها إلى منزلها في ضاحية هليوبوليس في القاهرة، حين تعرضت للتحرش على يد سائق حافلة.
وصرحت الاستاذ في حديث سابق مع منصات قائلة "ظهر شاب في حافلته، أنزل النافذة وأخرج يده. قطع الطريق بسيارته، ركنها قربي وأمسك بي. حاولت فتح باب السيارة لكنه أقفله، لذا تسلقت سيارة أخرى ودخلت الحافلة".

في هذه الأثناء، تجمع الناس في الشارع، ولدهشة الاستاذ لم يتحرك الكثيرون لمساعدتها.
وتقول "كان الناس يقفون حولنا، وقلت لأحد الرجال أني أتعرض للتحرش الجنسي، فسألني ضاحكا عما أعنيه".

حين تمكنت الاستاذ القوية الشخصية من سحب المعتدي عليها إلى مركز الشرطة بعد عراك استمر لساعة في الشارع، بدأت سلسلة مشاكل جديدة.
في مركز الشرطة، أعلن الضابط المناوب إنه لا يمكن فتح تحقيق دون وجود والد الاستاذ، رغم أن الشابة البالغة من العمر 27 عاما لم تعد تعتبر قاصرا بموجب القانون المصري.
وتتابع الاستاذ "قال أنه لن يفتح تحقيقا بدون حضور والدي إلى المركز، وأن هذا لسلامتي وسمعتي. أخبرته أني تعرضت للاعتداء وأنه مجبر على فتح تحقيق".




وثائقي عن النساء في مصر وهن يناضلن من أجل حقوقهم في العيش في مأمن من المضايقات على شوارع القاهرة. الجزيرة الانكليزية- موقع يوتيوب

غضب إعلامي

يشار إلى التحرش الجنسي بأنه "سرطان مصر" بعد دراسة نشرها المركز المصري لحقوق المرأة، أظهرت أن 83% من النساء المصريات تعرضن لشكل من أشكال التحرش الجنسي.
وتضيف الدراسة إلى أن كل امرأة عرضة للتحرش، بالإشارة إلى أن الملابس المحتشمة أو الحجاب لا يبعد المعتدين، بل أن أغلبية النساء الضحايا هن من المحجبات.
لكن وسائل الإعلام المصرية التقليدية لم تتطرق إلى هذا الموضوع إلا نادرا قبل قضية الاستاذ، حيث تحولت قصتها إلى موضوع أساسي للنقاش في الإعلام المحلي والدولي.

وتحدثت الاستاذ مؤخرا عما حدث معها في برنامج "تسعون دقيقة" على قناة "المحور" الفضائية.
وقد استقطب ظهورها الكثير من التعليقات التي جاءت سلبية بغالبيتها.

"اتصل الكثير من المشاهدين معتبرين ما أقوله استفزازا. هذه قصة حياتي، وعليهم احترام ذلك".
تعتقد أنجي غوسلان من المركز المصري لحقوق المرأة أن التغطية الإعلامية الأخيرة لموضوع التحرش الجنسي في مصر لعبت دورا مهما في التوعية حول هذا الموضوع الذي كان يعتبر من المحرمات.
وتقول "في 2005، كان كل من يكتب عن التحرش الجنسي يتعرض للهجوم، فيما وصف الكتّاب المعارضون والمدونون بالكاذبين".

لكن مع العدد المتزايد من حوادث التحرش الجنسي، و مع ارتفاع عدد شكاوى النساء المصريات والأجنبيات بالإضافة الى نشر تقرير المركز المصري لحقوق المرأة، بات نفي وجود هذه الظاهرة امرا صعبا.
تضيف غوسلان "بدأ المزيد من الناس يتحدثون عن هذا الأمر في وسائل الإعلام الدولية، الخاصة وحتى الرسمية. ونشرت صحيفة الأهرام الرسمية مقالا عن الموضوع في اليوم العالمي ضد التحرش الجنسي هذا العام".

سلسلة من التحرش
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، شهدت مصر سلسلة من الحوادث الخطيرة التي تتعلق بالتحرش الجنسي.
خلال "الأحد الأسود"، تعرضت صحافيات وناشطات في الحقل السياسي في أوائل أيار/مايو 2005 للتحرش الجنسي والاعتداء الجسدي خلال التظاهرات التي نظمت يوم الاستفتاء الشعبي في مصر.

وقبل عامين، هاجمت مجموعة من الشبان بضعة نساء، فقاموا بملامستهن وبتمزيق ملابسهن، على مرأى من العامة في وسط القاهرة خلال عطلة عيد الفطر.
ووصل فيلم فيديو عن الحادثة إلى مدونين مصريين وانتقل إلى الإعلام المصري والدولي.

وفي الماضي القريب، يقال أن حوالي 150 شابا تعرضوا لخمس نساء كن يسرن في منطقة المهندسين بالقاهرة خلال عطلة الفطر من هذا العام، وقاموا بتمزيق بعض من ملابسهن.
ولا تزال الأدلة تجمع في هذه الحادثة التي وقعت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي في شارع جامعة الدول العربية في منطقة المهندسين.

وأشارت بعض التقارير الإعلامية إلى اعتقال حوالي 38 من المهاجمين.
وقد أطلق سراح 30 منهم بسبب"عدم توفر الأدلة الكافية".
ولم يتم العثور على أي من الفتيات اللواتي تعرضن للتحرش.

لكن الإعلام لم يلعب دورا إيجابيا فقط في قضية التحرش الجنسي، بحسب غوسلان، بل أن بعض الوسائل شجعت عليه.
"يعطي الإعلام أفكارا متضاربة للشباب المصري. فمن جهة، لدينا قناة "مزيكا" حيث تشاهد فتيات جميلات يرقصن، ومن الجهة الأخرى، نشاهد القنوات الدينية المحافظة التي تدعو إلى العكس تماما".

كذلك، تلعب الأفلام المصرية دورا مهما في الإغراء.
يقول أحد رواد السينما في القاهرة "ليس غريبا أن يشعر الشباب المقموع بالحاجة إلى بعض التحرش بعد مشاهدة هذه الأفلام التي تعج بالطاقة الجنسية".
يذكر بأن حادثة عيد الفطر عام 2006 حصلت أمام مترو سينما بالقاهرة.

مصاصات، مناشير وأوراق تغليف السكاكر
في محاولة لنشر الوعي حول التحرش الجنسي والعمل ضده، أطلقت مجموعة من المنظمات عدة أنماط جديدة من الحملات الإعلامية. لكن بعض هذه الحملات أثار الجدل والغضب لأنها بدت كأنها تلوم الضحايا.
في رسالة الكترونية تم تداولها في مجتمعات التدوين وحقوق الإنسان في مصر، أضيفت صورة تظهر مصاصتين حمراوين: إحداهما مغلفة والثانية غير مغلفة ويحوم حولها الذباب.
 "مش حتقدري تمنعيهم، لكن تقدري تحمي نفسك"، هي العبارة التي ذيلت الرسالة.

وتحمل رسالة أخرى صورتين لقطعتي حلوى: الأولى مغلفة تمثل امرأة محجبة تحافظ على "عفتها".
أما القطعة الأخرى، فهي عارية وخلفها امرأة غير محجبة، وشعرها يطير في الهواء. وكما الحال مع المصاصتين، يحوم الذباب حول الحلوى غير المغطاة.
ويقال أن هذه الحملة كانت فكرة الإخوان المسلمين.

ردا على أسئلة طرحها موقع منصات، وصف عضو الإخوان المسلمين، عصام العريان، الحملة بأنها "دعوة للنساء لوضع الحجاب" لحماية أنفسهن من التحرش.

لكن الملصقات جاءت من الإخوان المسلمين، صح؟

ليس من الإخوان بل من جماعات أخرى.

لكنها موقعة باسم الإخوان المسلمين
بعض أعضاء الإخوان يقولون أنها دعوة لارتداء الحجاب.

وما ردك على هذا؟
إنه اجتهاد لدفع المزيد من النساء لوضع الحجاب. بوجود التحرش أو بغيابه، وضع الحجاب فرض إلهي على النساء.

أتوافق على الحملة إذا، علما أنها تلوم النساء؟

إنهم لا يلقون باللوم على المرأة، بل يدعونهن لحماية أنفسهن من التحرش. يمكن لأي شخص فعل هذا، هذا لا يعني لوم النساء.

إنها مجرد دعوة إذا؟

بالطبع

لكن لماذا لم يهاجم الرجال في هذه الحملة؟

هناك ملصقات تحث الرجال على حماية أنفسهم.


في محاولة لإعادة الأخلاق إلى الرجال المصريين، أطلقت مجلة الشباب المصري "كلمتنا" مؤخرا حملة ضد التحرش الجنسي تركز على المعتدين لا على الضحايا.
وتحت شعار "احترم نفسك: لسه فيكي رجاله يا مصر"، تسعى الحملة إلى ردع الرجال من التحرش بالنساء ومواجهة المعتدين عند رؤيتهم.

تعهد بالتحرك القانوني

اتخذت مجموعات حقوقية مثل المركز المصري لحقوق المرأة مقاربة أخرى للتوصل إلى حل لهذه المشكلة، مع المطالبة مؤخرا بوضع قانون لتجريم التحرش قانونيا.
لم يتم تمرير أي قانون حتى الآن، لكن اقتراحا من المركز ينتظر النظر فيه، وقد نظم المركز دائرة نقاش حول مشروع القانون يوم الثلاثاء الماضي.

وقالت غوسلان "يوم صدور الحكم، اجتمعنا بخبراء قانون وأعضاء من البرلمان لمناقشة مشروع القانون"، لكنها تعتبر أنه يجب اتخاذ تدابير أخرى للتوصل إلى حل طويل الأمد.

وتختم بالقول "تطبيق قانون ليس سوى حل قصير الأمد، أما الحلول الطويلة الأمد فتبدأ مع الأطفال. علينا تعليمهم أن التحرش الجنسي غير مقبول. نأمل أن تفكر الأجيال المقبلة بطريقة مختلفة"."


(fetching community info ...)