تونس المصرية: من معقل للإخوان المسلمين إلى جنة للمثقفين!



 
على مسافة ساعتين من العاصمة المصرية القاهرة و في منطقة الفيوم، تقع بلدة تونس الصغيرة. تضم البلدة عددا من المنازل الطينية الملونة الغريبة الأشكال، تشكل ملاذا لفناني ومفكري مصر. قامت مراسلة منصات بزيارة إلى هذه القرية الفريدة
 
ألكسندرا ساندلز- مصر
 
cairo
احدى غرف "زاد المسافر"-لينا ورديني-ح.م.

الرحلة إلى بلدة تونس البيئية الصغيرة في الفيوم رحلة مشوقة، وإن كانت متعبة للبعض. لكنها الطريق الوحيدة للوصول إلى نزل "زاد المسافر"، في قلب البلدة الطينية، التي تعتبر ملاذا لمجموعة من الفنانين والمفكرين المصريين الذين يبحثون عن منفذ من أسلوب حياة القاهرة السريع.
يعرف مدير "زاد المسافر"، عبدو غبير، الطرق غير المعبدة والفجوات التي تصل القاهرة بالقرية الصغيرة.

بدأت قصة عبدو غبير مع البلدة قبل ثمانية أعوام، حين كان يزورها في نهاية الأسبوع للهرب من المدينة.
وتحولت مع مرور الوقت إلى مكان سكنه، عمله، المكان حيث يعيش حياته بكاملها.
لكن المشكلة الوحيدة التي واجهها في بداية الأمر كانت بأنه لا يملك المساحة الكافية لاستقبال أصدقائه.

"اعتادوا الحضور كل نهاية أسبوع. لكننا سئمنا من منزلي بعد فترة، تعبنا من غسل الصحون وضيق المكان. لذا اقترحوا أن أبني غرفا لهم في الفناء، على أن يساعدوني في التكاليف. وجدتها فكرة هائلة" اخبر غبير منصات.
وها هو سريعا يبني أربعة غرف، ليتحول المكان إلى نزل بيئي على شكل حديقة.


عبدو غبير صاحب "زاد المسافر" (على اليمين)- معمل الفخار الصغير الذي يملكه ابو زيت وزوجته، المقيمين في البلدة منذ 15 عاما (على اليسار)

ملتقى الفنانين
بلدة تونس المصرية عبارة عن 350 منزلا وحوالي 4000 شخص بحسب تقديرات غبير.
وهذه البلدة بالتحديد تحولت إلى ملتقى للفنانين، الكتاب والرسامين.
كما قام بعض الأجانب بشراء الأراضي، فقط ليقيموا فيها.

وتشير بعض الإشارات واليافطات المكتوبة بالانكليزية والفرنسية إلى الوجود الأجنبي في تونس، وهي تروج لاستوديوهات الفخار والفن على طول الطريق الرئيسي للبلدة.
تملك تونس مدرسة لصناعة الفخار مخصصة للسكان المحليين، وقد أسستها و استلمت إدارتها "إيفلين" السويسرية.
ايفلين هي واحدة من أوائل الفنانين الذين حضروا إلى البلدة للعيش فيها في سبعينات القرن الماضي، حين لم تكن البلدة تتمتع لا بالكهرباء ولا بأي وسيلة من وسائل الاتصال الحديثة.

ومن بين أول القاطنين في البلدة، صانع الفخار أحمد أبو زيت وزوجته إكرام الذين يقيمان فيها منذ 15 عاما.

يقول أحمد والابتسامة تعلو وجهه وهو يملس على قطعة فخاز ملونة "يتمتع هذا المكان بكل المواصفات. الطقس جميل، الصحراء قريبة والبحيرة رائعة. بالنسبة لي، هذا أجمل مكان في مصر".
يتحدث أبو زيت عن بحيرة قارون، وهي ثالث أكبر بحيرة في مصر، تمتد على طول 50 كيلومترا بالقرب من البلدة.
رغم قلة اللوحات التي تزين جدران منزل أبو زيت، تكتظ الرفوف بأوان فخارية من كل حجم ولون، معظمها معروض للبيع.
"صناعة الفخار بالنسبة لي هواية ومهنة. علي العمل لكسب لقمة العيش، لكني لا ارغب في إنشاء مصنع للفخار، لأن هذا سيفقده زاويته الفنية. ليست الآلة الهدف هنا، بل الفن بحد ذاته".

مركز للبحث الروائي
مع هبوط الليل، اعلن غبير أنه سينام في التاسعة.
فالكاتب والصحافي السابق لا يملك الوقت -الا ما بين الساعة الخامسة فجرا والعاشرة صباحا- للعمل على مشروعه الجديد: تأسيس مركز أبحاث في تونس حول الروائيين المصريين.

قال غبير "كنت أكتب في مجلات ثقافية في مصر لفترة طويلة، لذا لدينا جعبة هائلة من المعلومات عن الروائيين المصريين وأعمالهم. بدلا من رمي هذه المعلومات، خطرت لي فكرة تحويل القسم العلوي من "زاد المسافر" إلى مركز أبحاث حول هذا الموضوع".
وأضاف أن المركز سيكون بالأساس مفتوحا أمام الطلبة، وسيقدم النزل المأوى والطعام لهم.
"أريد أن يصبح نوعا من المنحة الدراسية. يمكن للطلبة الحضور، النوم، الأكل ودراسة الملفات. بعد أن نجمع جميع المواد التي تضم المخطوطات، مقابلات مع الكتاب، ونصوص قانونية، سنعلن عن الافتتاح. أتمنى أن يحصل هذا خلال الستة أشهر القادمة".

ماذا يقول السكان المحليون عن عديد الفنانين والأجانب الهائل الذين يستقرون في بلدتهم؟
يعتقد غبير أن التأثيرات كانت إيجابية على عدة مستويات.
"ساعد هذا الواقع على خفض نسبة البطالة هنا. أمن ذلك العمل لأكثر من 700 مواطن تتراوح أعمارهم بين 19 و60 عاما".

عمر فاروق، 28 عاما، درس في القاهرة وعاد إلى بلدته الأم، حيث يعمل اليوم عامل استقبال في "زاد المسافر".
عمر يؤكد أنه يستمتع بهذه الوظيفة.
"أكثر ما أحبه هنا أننا نلتقي بأشخاص من مختلف أنحاء العالم. مجتمع الفنانين أثر حتما على بلدتنا، وبخاصة فيما يخص العمل. كل من أعرفه هنا لديه وظيفة. كان الأمر مختلفا تماما قبل 20 عاما".

ويضيف غبير أن المجتمع الفني في البلدة أثر ايضا على الآراء السياسية.
فبعد ان كانت البلدة تعتبر معقلا للإخوان المسلمين، أصبحت الحركة غير مرحب بها خلال الانتخابات الأخيرة.
"حين جاؤوا إلى هنا، أبعدوا عن البلدة كل نشاط. أؤمن حقا بإمكانية تغيير الناس عبر الفن والنشاطات الاجتماعية. أعتقد أننا نجحنا في هذا هنا"





(fetching community info ...)